متابعات علمية

الإنسان في قلب الإعلام الذكي… إضافة بحثية نوعية للدكتورة دنيا تامري من منظور علم النفس السيبراني والمسؤولية القيمية

شهدت مدينة إسطنبول، يومي 28 و29 أغسطس 2026، انعقاد مؤتمر مينا الدولي الأول للإعلام والتحولات الرقمية، بمشاركة دولية متنوعة ووازنة جمعت نخبة من الأكاديميين والباحثين والدكاترة والإعلاميين والمهنيين من عدد من الدول، في فضاء علمي ناقش التحولات العميقة التي يشهدها الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي وتسارع البيئة الرقمية.

وسجّل الحضور المغربي حضورا وازنا ضمن فعاليات المؤتمر، من خلال مشاركة عدد من الدكاترة والباحثين والإعلاميين القادمين من مؤسسات جامعية ومناطق مختلفة من المملكة، بما عكس تنوعًا في التخصصات والمقاربات التي أسهم بها المشاركون المغاربة في النقاش العلمي للمؤتمر.
ومن أبرز المداخلات التي شكّلت إضافة نوعية في موضوعها وزاوية معالجتها، جاءت مداخلة الباحثة المغربية الدكتورة دنيا تامري بعنوان: «المسؤولية المجتمعية للإعلام الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي: مقاربة سيكولوجية لتشكّل الوعي الجمعي في سياق الأزمات بين الاحتواء والتضخيم».

وقد قاربت الباحثة الموضوع من منظور يتجاوز البعد التقني والاتصالي المعتاد، لتضع الإنسان نفسه في قلب السؤال الرقمي: كيف تُنتج المعلومة وتصاغ وتؤطر وتوزع؟ وكيف يتلقاها الإنسان ويدركها وينفعل بها؟ وكيف يمكن أن تنتقل آثارها من الانتباه والإدراك إلى الحكم والقرار ثم السلوك؟

ومنحت المداخلة هذا السؤال عمقا بينيًّا من خلال الربط بين الإعلام الرقمي وعلم النفس السيبراني وعلم النفس المعرفي والعصبي والسلوكي، إلى جانب الأبعاد الاجتماعية والقيمية. وبذلك لم تُدرس المعلومة بوصفها مجرد محتوى ينتقل من مرسل إلى متلقٍّ، وإنما باعتبارها عنصرًا قد يؤثر في الانتباه والإدراك والانفعال والذاكرة والثقة وتقدير المصداقية واتخاذ القرار، ثم يمتد أثره إلى التفاعلات والسلوكيات الاجتماعية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في سياقات الأزمات؛ إذ تصبح دقة الخبر وحدها غير كافية إذا لم تُراعَ طريقة عرضه وسياقه وتوقيته وتكراره ودرجة الاستثارة التي يحملها. فالإعلام قد يسهم في ترشيد إدراك الجمهور للخطر، كما قد يؤدي، بقصد أو بغير قصد، إلى تضخيم الخطر أو توهينه بما لا يتناسب مع ما تسمح الأدلة والمعطيات بتقديره.

ومن هنا برز البعد النفعي والتطبيقي في الورقة؛ إذ لم تتوقف عند تشخيص التضليل أو التأثير الخوارزمي، بل أعادت الاعتبار إلى جملة من الضوابط العملية والأخلاقية، في مقدمتها التثبت قبل النشر، وصيانة السياق، والأمانة في تقديم المعلومة، وعدم تقديم السبق والإثارة على سلامة المتلقي والمجتمع.

فالخبر لا ينتهي أثره بمجرد نشره؛ إذ يمكن للمعلومة أن تتحول إلى اعتقاد، ثم إلى قرار، ثم إلى سلوك، وقد ناقشت الورقة نماذج بحثية وواقعية تكشف أن التضليل المعلوماتي قد يتجاوز الفضاء الرقمي ليترك آثارًا نفسية واجتماعية، بل وقد يقود في بعض السياقات إلى سلوكيات شديدة الخطورة.

ومن أبرز الإضافات التي قدمتها المداخلة الانتقال من السؤال التقليدي :
«هل المعلومة صحيحة؟»
إلى سؤال أكثر تركيبًا:
« هل مسار المعلومة نفسه سليم؟»

وهو ما طرحته الباحثة من خلال مفهوم «سلامة مسار المعلومة»؛ أي فحص سلامة المصدر، والمحتوى، والسياق، والتأطير، والتوزيع، ثم الأثر النفسي والاجتماعي والسلوكي.

وبهذه المقاربة تتسع المسؤولية الإعلامية من مجرد مسؤولية عن صحة المحتوى إلى مسؤولية أشمل عن المحتوى والمسار والأثر؛ لأن المعلومة قد تكون صحيحة في أصلها، ولكن اقتطاعها من سياقها، أو المبالغة في تكرارها، أو تأطيرها على نحو معين، قد يغيّر إدراك الجمهور لها ويقود إلى نتائج مختلفة تمامًا.

كما قدّمت المداخلة قراءة تكاملية للعلاقة بين الإنسان والخوارزمية؛ فالخوارزمية لا «تتحكم في العقل» بصورة آلية، لكنها تشارك في تنظيم شروط التعرّض وتوزيع الانتباه، بينما يتحدد ما يصدقه الإنسان أو يرفضه أو يشاركه من خلال تفاعل أعقد يجمع المحتوى، والمنصة، والخوارزمية، والجماعة، والقيم، والسياق، وخصائص المتلقي نفسه.

ومن هنا جاءت الرسالة المركزية للمداخلة: ليس المطلوب إعلامًا أكثر ذكاءً تقنيًا فحسب، وإنما إعلام ذكي مسؤول معرفيًا وأخلاقيًا؛ يحمي حق الإنسان في المعلومة، وفي السياق، وفي التثبت، وفي تكوين حك *م سليم قبل اتخاذ القرار.

ويأتي هذا الطرح امتدادًا لمشروع فكري وبحثي أوسع تشتغل عليه الدكتورة دنيا تامري حول بناء الإنسان القادر على مواكبة التحول الرقمي بوعي ومسؤولية؛ وهو ما يتجلى كذلك في كتابها الصادر مؤخرًا «الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي – رؤى وتطبيقات».

ويتناول الكتاب حضور الذكاء الاصطناعي في خمسة مجالات وثيقة الصلة بتكوين الإنسان ووعيه: الأسرة، والتعليم، والبحث العلمي، والإعلام والتواصل الرقمي، ثم استشراف مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة، ضمن رؤية لا تقوم على مقاومة التكنولوجيا، وإنما على تمكين الإنسان من الاستفادة من أفضل ما تتيحه، مع بناء الوعي والمهارات والضوابط التي تساعده على تجنب آثار الاستخدام غير الرشيد والمحافظة على استقلاله في التفكير والنقد والاختيار وتحمل المسؤولية.

وفي الجانب المتصل بالإعلام، يتناول الكتاب صناعة المعلومة وتلقيها، والأخبار والتضليل والتزييف العميق، وخوارزميات التوصية والتحقق، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التواصل والإنتاج السمعي البصري، مع حضور واضح للضوابط الأخلاقية والمسؤولية البشرية.

ومن هنا تبدو مداخلتها في مؤتمر مينا امتدادًا أكثر تخصصًا لهذا المشروع؛ إذ تنتقل من دراسة تحولات الإعلام في البيئة الذكية إلى مساءلة أثر هذه التحولات في الإنسان نفسه: في وعيه، وإدراكه، وانفعاله، وقراره وسلوكه.

وكانت الدكتورة دنيا تامري قد شاركت كذلك في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي بثلاثة من إصداراتها، فيما يأتي كتاب «الذكاء الاصطناعي والإنسان في عصر التحول الرقمي – رؤى وتطبيقات» ضمن أحدث إصداراتها، مواصلة هذا الاشتغال على الإنسان في زمن تتسارع فيه التقنية وتتسع فيه دوائر تأثيرها.

وهنا تتضح وحدة المشروع البحثي : التقنية تتقدم، لكن الإنسان يظل الغاية والمعيار؛ والإعلام يتطور، لكن الأمانة والوعي وحماية القدرة على الحكم السليم تظل في صميم المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا